الخميس، 26 يوليو 2012

هوس الشات إدمان جديد يجتاح شبابنا

هوس الشات إدمان جديد يجتاح شبابنا












(الشات) أو المحادثة عبر الإنترنت إحدى خدمات الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وهي خدمة تسمح لك بأن تحادث أصدقاءك، أو أقاربك، أو أي شخص آخر، مهما كانت المسافات بينكم؛ تراهم ويرونك، تسمعهم ويسمعونك، تكتب لهم ويكتبون لك، وكل ذلك بتكلفة هي أقل ما يمكن، إذا قورنت بغيرها. وسيلة الاتصال الرائعة تلك حوَّلها البعض إلى وسيلة لتضييع الوقت في اللهو، والدردشة التافهة، والأحاديث الكاذبة، وأصبح لدى الكثيرين منهم هوس شديد بها، وكأنها الخدمة الوحيدة على الإنترنت، بل وصل عند البعض إلى حد الإدمان.








إيمان حسن - 18 سنة - طالبة جامعية؛ تقول: عرفت الشات منذ كنت في المرحلة الثانوية، في البداية كنا أنا وأصدقائي نريد أن نعرف: لماذا يستخدم الشباب الشات؟ وعندما جربناه أدمناه؛ لدرجة أننا كنا نذهب كل يوم بعد المدرسة إلى أي مقهى إنترنت؛ لاستخدامه، وكنت أفكر دائمًا وأنا في المنزل: كيف ومتى سأذهب مرة أخرى؟

ويقول كريم البوشي - 21 سنة -: أقضي وقتًا طويلاً في استخدام الشات، يصل إلى حوالي 9 ساعات يوميًا، فأنا بعد أن أعود من عملي أجلس لقضاء وقت الفراغ في استخدامه.

أما عمرو أحمد - 26 سنة - ويعمل بمقهى إنترنت، فيقول: من 4 سنوات لم أكن أعرف شيئًا عن الإنترنت، وعندما تعلمته كان أول شيء استخدمته فيه هو الشات، من الممكن أن أقضي 12 ساعة يوميًا أو حتى اليوم بأكمله (24 ساعة) في استخدام الشات، حتى إن تناول الطعام والنوم ليسا مهمين في وجوده.

لماذا وفيم يستخدمون الشات؟


ن. أ - 19 سنة - طالبة جامعية؛ تستخدم الشات لقضاء وقت الفراغ، والتعرف على أشخاص جدد؛ فهي تحب أن يكون لديها مجموعة كبيرة من الأصدقاء. تقول: أصبح لدي أصدقاء كثيرون على الإنترنت.. مصريون ومن دول أخرى، كالسعودية، والأردن، وأمريكا، وهم من الجنسين.

ويستخدم كريم البوشي الشات للتعرف على الناس أيضًا، ومحادثة أصدقائه، والاتصال بأقربائه في الخارج، كما يشترك في مسابقات يستفيد منها كثيرًا.


ولكن ذلك ليس كل شيء؛ فكريم يستخدم الشات أيضًا في خداع الناس، وعندما سألته: كيف ذلك؟ قال: أستخدم برامج الكمبيوتر مثلاً لتغيير صوتي إلى صوت فتاة، وأرسل لمن أحادثه صورة فتاة أيضًا؛ فيظنني كذلك، لقد كنت في بداية استخدامي للشات أتعامل بصدق مع الناس، ولكنني خدعت أكثر من مرة، فقررت بعدها ألا أكون صادقًا، وأن أخدع أي أحد، أنا الآن لا أدخل على الشات بشخصيتي الحقيقية، بل أدخل بشخصيات مستعارة، ولدي 15 إيميل على مواقع مختلفة.


سألته: ألا تشعر بالذنب عندما تخدع الآخرين؟ قال: لا؛ لأن أناسًا كثيرين يفعلون ذلك.

ويحكي كريم عن الخدع التي تعرض لها؛ فيقول: تعرضت مرة لخدعة من ولد حادثني على أنه فتاة ثم جعل أخته تتصل بي تليفونيًا، وتحدد معي موعدًا، وجعلتني أبعث لها رصيدًا للموبايل، ثم اتضح أنها لعبة من الولد وأخته، كما خدعتني فتاة ذات مرة ووعدتني بموعد، وذهبت فوجدتها مع شخص آخر.


أما عمرو أحمد، فإنه يستخدم الشات فقط للبحث عن شريكة حياته؛ لذلك فإنه لا يصادق إلا الفتيات؛ ليبحث فيهن عن زوجة المستقبل، التي لم يجدها في الحقيقة، فقد تقدم من قبل لأكثر من فتاة للخطبة، ولكنه لم يوفق بسبب مطالبهن التي لم يقدر عليها، ويدخل عمرو على مواقع إنترنت مخصصة للزواج؛ يسجل فيها بياناته، ويتواصل ويتحادث مع فتيات مسجلات على نفس المواقع.


يقول عمرو: أستخدم الشات طمعًا في الحب والارتباط، ولكنني لم أجد ما أريده حتى الآن؛ فالناس ليسوا كلهم صادقين.


ويحكي لنا عن تجاربه مع الشات؛ فيقول: من حوالي 3 سنوات أحببت فتاة من المغرب، كان عمرها 18 سنة، قلت لها كل شيء عني، وعندما تحسنت ظروفي كنت مستعدًا للسفر إليها، لم أفكر إلا فيها، وأخبرتها أنها هي من أحلم بها، ولكنها للأسف كانت مخدوعة من شخص كذب عليها، وابتزها وأخذ منها مالاً، فقررت أن تنتقم من أي شخص، قالت لي: إنها ستأتي إلى مصر، ولم تأت، وعدتني بأشياء كثيرة، وكانت هذه الوعود كذبًا.


ويضيف: إن الشباب يهرب من واقعه إلى الشات، حتى إن الفقير يستطيع أن يدعي في الشات أنه غني، إن الظروف الاجتماعية تجعلنا نبحث عما نحتاجه بطرق سهلة، وإن كثيرًا من الفتيات اللاتي أحادثهن تكون لديهن ظروف قاسية في أسرهن؛ فليجأن إلى الشات هروبًا من هذه الظروف، كما أن هناك على الجانب الآخر بعض الشباب الذين يستغلون سذاجة الفتيات، وأعتقد أن مواقع الزواج تلك لها ضحايا كثيرون، هم غالبًا من الفتيات.


أما محمد الشبراوي - 42 سنة - موظف، فإنه يستخدم الشات، ولكن لهدف مختلف، فهو يرى أن الشباب يستخدمون تلك الخدمة الاستخدام الخاطئ؛ لذلك فإنه يحاول أن يتواصل معهم، لينصحهم بأن يستخدموها في تبادل المعلومات المفيدة.


ويقترح أ. محمد للشباب بديلاً للشات، وهو المنتديات، حيث يرى أنها أكثر إفادة من الشات، كما يقوم بتصميم بعضها بنفسه. يقول: للمنتديات ميزتها، حيث يمكن أن نطرح موضوعات مهمة، ويقوم كل منا بإبداء رأيه فيها، أما الشات؛ فإنه لا يقدم لغة حوار جادة.


ويضيف: إن أصدقائي قد اكتسبتهم من المنتديات، وليس الشات، فلا مكان للعلاقات الجادة في الشات.




هوة ثقافية



يقول الدكتور محمد علي - أستاذ الاجتماع بكلية الآداب، جامعة حلوان -:

إن من أهم أسباب إقبال الشباب على الشات ما يلي:


1 - وقت الفراغ؛ إذ لدى هذه الشريحة الشبابية وقت ممتد من الفراغ، يجعلهم يقبلون على هذه الخدمة.


2 - بطالة المتعلمين يمكن أن تكون أحد الأسباب الدافعة إلى استهلاك هذه الخدمة.


3 - بعض الشباب يلجئون إلى مثل هذه الخدمة؛ كتعبير عما نسميه (الحيل النفسية)، فإنهم على سبيل المثال قد يعانون من مشكلات تتصل بالتفاعل الاجتماعي داخل أسرهم وبين ذويهم، فيلجئون إلى صناعة علاقات اجتماعية مفترضة، كبديل، أو كحيلة نفسية؛ للخروج من هذا المأزق أو لإحلال نمط كامل من العلاقات الاجتماعية مكان نمط آخر.


4 - أو قد يلجأ بعضهم إلى هذه الخدمة، لكي يتحرر من القيود المفروضة عليه في علاقاته اليومية، أو قد يلجأ بعضهم إليها للهروب من مشكلات اجتماعية بعينها، بحثًا عن حل لها، أو تخفيفًا من وطأة هذه المشكلات.


5 - وقد يلجأ بعضهم إلى هذه الخدمة كشكل من أشكال المغامرة المحسوبة، التي قد لا تسبب عائدًا سلبيًا.


وإن هذه الأسباب توحي لنا بأننا إزاء مجتمع بصري افتراضي، تفصل بين أفراده حواجز، تمنع علاقات الوجه بالوجه (العلاقات الأولية)، يستطيع الفرد في هذا المجتمع أن يفعل ما يشاء، مع من يشاء؛ دون أن يتعرض لضوابط رسمية حاكمة لسلوكه.


وإلى جانب ذلك؛ فالشباب يعاني مما يطلق عليه علماء الاجتماع اسم (الهوَّة الثقافية)، حيث إن هناك عدم اتزان بين التطور التقني والتطور الثقافي، فالشباب غير ناضجين ثقافيًا بحيث يستوعبون التكنولوجيا الحديثة ويحسنون استخدامها.


صداقة الشات

ـ هل صديق الشات صديق حقيقي؟


سألت الشباب هذا السؤال..


فأجابت ن. أ: صديق الشات ليس صديقًا حقيقيًا؛ لأني لا أعرفه، إن تحادثنا على الشات غير كافٍ لتعارفنا.


وقالت إيمان حسن: إنني أعتبر الكمبيوتر ستارًا، إن الشخص عندما يكون أمامي أراه، وأرى تعبيرات وجهه، فأفهمه؛ ولكن عندما أتحدث معه عن طريق الشات، فإنه يكون هناك حائل بيننا يمنع من ذلك، حتى إن صورة الكاميرا لا تكون واضحة تمامًا.


أما ملك عبد الله - طالبة جامعية -، فقالت: لا أعتبر صديق الشات صديقًا حقيقيًا؛ لأنه لا يكفي أن أحادثه بهذه الطريقة، لابد أن أراه، وأتعرف عليه، وتكون هناك مواقف حقيقية، حتى أستطيع أن أحكم عليه.


سألتها: إذا كنت تعتقدين يا ملك أن صديق الشات ليس صديقًا حقيقيًا، فكيف تبحثين عن شريك حياتك على الشات؟


فردت: نحن نجرب وحسب، ليس هناك شيء مضمون، ولكننا نجرب.


وعلى الرغم من أن كريم البوشي يتعرض للخداع من أصدقاء الشات، وهو نفسه يستخدم تلك الوسيلة في خداعهم؛ فإنه يقول: عندما نتكلم معًا، ونستريح لبعضنا البعض من الممكن أن نصبح أصدقاء حقيقيين.


يقول د. محمد علي: إن صديق الشات صديق زائف؛ لأنه افتراضي وليس حقيقيًا، بل إننا لا نستطيع أن نسميه صديقًا، وليتذكر الشباب: كم مرة خدعوا في صديق من مثل هذا النوع.


إن صديقي من يراني ويكلمني ويساعدني، ولابد أن تكون علاقة الصداقة من نوع علاقة الوجه بالوجه (العلاقات الأولية)، أما علاقات الشات فليست من هذا النوع.


زواج الشات





يصف الدكتور محمد علي البحث عن شريك الحياة عن طريق الشات بأنه (البحث في السراب)، وأنه محاولة لبناء أسرة مدمرة سلفًا، فالأسرة السليمة هي التي تقوم على أساس سليم، والزواج له أساليبه ومعاييره التي نفتقدها إذا سعينا إليه من خلال هذه الوسيلة التقنية.


ويقول الدكتور جمال أبو شنب - أستاذ الاجتماع بكلية الآداب، جامعة حلوان -: إن استخدام غرف الدردشة (الشات) في البحث عن شريك الحياة يُعد مغالطة؛ يقنع بها الشباب أنفسهم، إن الزواج نظام اجتماعي تحكمه قيم ومعايير اجتماعية معينة، وإيجاد التوافق الزواجي الذي تكون نتيجته أولاد ومسؤولية لا يتم دون علاقة مواجهة مباشرة، لكي يمتلك كل من الطرفين مشاعر الآخر وعواطفه، التي لا تنقلها التكنولوجيا، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف في المستوى الثقافي، والبيئي، وطرق التنشئة والتربية.






إن استخدام غرف الدردشة للحوار، والتعرف على ثقافة الآخر مقبول؛ لتنمية ثقافة الإنسان وتطويرها، أما استخدامه في اختيار شريك الحياة والارتباط به، فهذا خطأ ومغالطة للذات وللآخر، يترتب عليها حياة أسرية فاشلة، لا تتمتع بمصداقية.


ويحذر د. جمال من خطورة المحادثة بين الجنسين على الشات، حيث إنها قد تؤدي إلى الانغماس في الانحرافات الأخلاقية؛ نتيجة لعدم الوعي من قبل الشباب، وعدم المتابعة من قبل الأسرة.














احذر... فللشات مخاطر

يقول د. محمد علي: إن هناك عائدًا سلبيًا يعود على الشرائح المستخدمة لخدمة (الشات)، لعل في مقدمتها: اكتساب سمات وخصائص جديدة تشوه معالم الشخصية الفردية، كاكتساب القدرة على الخداع والمخادعة، وتزوير الحقيقة، من أجل الحصول على شيء غير ذي أهمية، وقد يخلق استخدام هذه الخدمة مشكلات لم تكن في الحسبان لدى من يستخدمها، كما أن الاستخدام العبثي لها قد يكون سببًا في إفساد الذوق العام، وأحيانًا تهديم أسر ناشئة، فإن بعض حالات الطلاق يكون السبب وراءها سوء استخدام الوسيلة التقنية.


ويضيف د. جمال أبو شنب: إن غرف الدردشة تعد في أحوال كثيرة توظيفًا لأجهزة استخبارات من قِبل الدول المالكة لتكنولوجيا المعلومات، وتكون النتيجة انغماس الفرد - دون وعي وإدراك منه - في المحظور، وإفشاء أسرار دولته ومجتمعه، والوقوع تحت طائلة المساءلة، وتدمير حياته.






ما الحل؟

يجيب د. محمد علي فيقول: أعتقد أن خطورة هذا الموضوع تفرض علينا - نحن الكبار - إعادة النظر في أسلوب حياتنا وعلاقاتنا مع الشباب، وبمعنى آخر: إن المشكلات الناجمة عن سوء استخدام تلك الوسيلة هي جرس إنذار مبكر ومدوٍّ، يقتضي منا إحكام السيطرة (وليس القهر) مع شبابنا، لتفعيل دور الضوابط الاجتماعية الرسمي من ناحية، وإعادة دور الأسرة ووظيفتها الرئيسة في إشباع مختلف الحاجات النفسية والاجتماعية لأفرادها - من ناحية أخرى، ولابد من إتاحة الفرصة للشباب، لكي نسمع أصواتهم، وندخل معهم في حوار قبولاً ورفضًا؛ عسى أن يكون ذلك وسيلة للتقرب إليهم، وحمايتهم من مخاطر الشات.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق